17.08.2026 15:30
قام الباحث في SETA، تونج دميرتاش، بتقييم التغيير الذي بات واضحاً في السياسة التركية تجاه ليبيا في السنوات الأخيرة. وأشار إلى أن زيارة وزير الخارجية هاكان فيدان يومي 11-12 أغسطس التي شملت طرابلس وبنغازي، تُعد من أبرز المؤشرات على هذا التغيير الواضح في السياسة التركية تجاه ليبيا، وعلّق على انتقال وزير الخارجية هاكان فيدان من ليبيا إلى مصر بعبارة "يكمل الحلقة الناقصة".
زيارة وزير الخارجية هاكان فيدان إلى طرابلس وبنغازي في الفترة بين 11 و12 أغسطس، كانت من أوضح المؤشرات على التغيّر الذي تبلور في السياسة التركية تجاه ليبيا في السنوات الأخيرة.
الباحث في مؤسسة SETA، تونج دميرتاش، في مقالة تحليلية بعنوان "ليبيا الواحدة بعنوانين: زيارة وزير الخارجية فيدان والمعادلة الجديدة في شرق المتوسط"، قيّم التغيّر الذي تبلور في السياسة التركية تجاه ليبيا في السنوات الأخيرة.
"أوضح مؤشر على التغيّر"
تحليل دميرتاش كما يلي:
زيارة وزير الخارجية هاكان فيدان إلى طرابلس وبنغازي في الفترة بين 11 و12 أغسطس، كانت من أوضح المؤشرات على التغيّر الذي تبلور في السياسة التركية تجاه ليبيا في السنوات الأخيرة. وقبل الزيارة مباشرة، أُضرمت النيران في خزان بنزين بسعة 4.5 ملايين لتر في مصفاة الزاوية الواقعة على بعد 50 كيلومتراً غرب طرابلس عبر هجوم بطائرة مسيّرة، وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط حالة الطوارئ القصوى. أما حديث وزير الخارجية فيدان عن "نهج لا يميّز بين غرب ليبيا وشرقها وجنوبها"، فهو أوضح تعبير عن النهج الجديد لأنقرة الذي يدافع عن وحدة ليبيا ولا يقيّد Engagementها الميداني بمركز سياسي وجغرافي واحد.
"المناورات توحّد الجيش لكنها لا توحّد السياسة"
من بين التغيّرات اللافتة في ملف ليبيا عام 2026، عودة واشنطن إلى الظهور كفاعل أكثر حضوراً. وبالفعل، تجسّدت مبادرة مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون العرب وأفريقيا، مسعد بولس، في سرت في 14 يوليو. فاجتمع خالد حفتر، نجل خليفة حفتر ورئيس الأركان العامة للجيش الوطني الليبي، مع رئيس الأركان العامة لحكومة الوحدة الوطنية، صلاح الدين النمروش، تحت إشراف بعثة الأمم المتحدة للدعم، وأعلنا "إعلان الجيش الوطني الموحد". كما اتفقا على تنظيم مناورات مشتركة ضد التهريب والهجرة على الحدود مع تشاد والنيجر. وتشير التفاصيل التي انكشفت للرأي العام إلى مناقشة صيغة لتقاسم السلطة تبقى بموجبها عبد الحميد الدبيبة في منصب رئاسة الوزراء مع فتح منصب تنفيذي رفيع لجانب حفتر. وإلى جانب ذلك، فإن تشجيع عودة الشركات الأمريكية للطاقة إلى ليبيا والتخطيط لتنفيذ أنشطة عسكرية مشتركة بقيادة القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، يشير إلى أن واشنطن تحاول تطوير سياساتها تجاه ليبيا في أبعادها السياسية والاقتصادية والأمنية في الوقت نفسه. وكان اعتماد الميزانية الموحدة الأولى منذ عام 2013 في أبريل 2026 من أكثر النتائج الملموسة لهذه العملية حتى الآن.
يمكن القول إن واشنطن تتعامل مع المشكلة السياسية في ليبيا بمنطق محاسبي جزئياً. فالبنك المركزي لا يستطيع تمويل حكومتين متوازيتين إلى أجل غير مسمى، وبالتالي فإن الندرة تُجبر الأطراف على الاندماج. وهذا نهج يعتبر الاقتصاد محركاً، ويعتبر الشرعية تفصيلة تقنية يمكن حلها لاحقاً. إن اجتماع المؤسسات العسكرية في بنية موحّدة، وإجراء مناورات مشتركة، والتوافق حتى على ميزانية موحدة، كلها مكاسب حقيقية. لكن لا شيء من ذلك يجيب على سؤال أي سلطة سياسية ستخضع لها الجماعات المسلحة. وبالفعل، فإن رفض الهياكل المسلحة في مصراتة للخطة بشكل واضح، والاشتباكات بين الميليشيات في طرابلس، والاعتراضات الصاعدة من الجنوب، تُظهر أن البنية على الورق لا تملك بعد مقابلها على الأرض.
وهنالك ضعف آخر في مبادرة بولس يكمن في الفجوة بين التوقيت والشرعية. فالجدول الزمني الانتقالي البالغ 36 شهراً وموعد الانتخابات المعلن في 17 فبراير، يضعان صناديق الاقتراع كوعد وليس كهدف ملموس. وعدم تنفيذ الميزانية الموحدة الموقعة في أبريل حتى الآن، يُظهر أن التوافق على الورق ما زال محدود الأثر على الأرض. والخطوات السياسية التي تُتخذ دون إنشاء آلية تنفيذ لا تغيّر وحدها موازين القوى على الأرض. علاوة على ذلك، فإن تقاسم السلطة يحمل مخاطر توسيع الفساد عبر تخفيف القيود الحالية على الإنفاق العام وتغذية شبكات النفوذ القائمة أكثر. وباختصار، فإن صيغة التوافق السياسي مقابل الإيرادات النفطية تكفي لإبقاء العاصمتين على طاولة المفاوضات في المدى القصير. لكن كلما زاد حجم الريع الذي سيتم تقاسمه، زادت القدرة التخريبية للفاعلين المسلحين المتروكين خارج الطاولة. وما حدث في الزاوية يمكن قراءته في هذا الإطار.
في هذا المشهد، تتمركز تركيا داخل الخطة بشروطها الخاصة. وميزة أنقرة هي أنها تحافظ على حضورها العسكري والسياسي القوي في غرب ليبيا بينما تعمّق علاقاتها بشكل متزايد مع الفاعلين في الشرق. إن لقاء وزير الخارجية فيدان في طرابلس مع الدبيبة والمنفي وتاكالة، بالإضافة إلى نائب وزير الدفاع الزوبي ووزير الداخلية الترابلسي ورئيس الأركان النمروش ورئيس الاستخبارات العسكرية محمود حمزة؛ وفي بنغازي مع المشير حفتر وصدام حفتر وعقيلة صالح، يُظهر أن تركيا تقرأ ليبيا أيضاً على مستوى الجهاز الأمني. علاوة على ذلك، يُعرف عن بعض الأسماء في هذه القائمة، بما في ذلك عقيلة صالح، أنهم فاعلون يقفون على مسافة من المبادرة الأمريكية. وبالتالي، فإن شبكة تواصل أنقرة تشمل أيضاً فاعلين يتعاملون مع المبادرة الأمريكية بدرجات متفاوتة. ويبرز الوصول العسكري والسياسي الذي تمتلكه أنقرة كمتغير مهم في جعل الخطة الأمريكية قابلة للتنفيذ على الأرض. وهذا الموقع يمنح أنقرة إمكانية الحفاظ على تواصلها مع المبادرة الأمريكية مع حماية أولوياتها بقوة أكبر على طاولة المفاوضات.
الأبناء وأبناء الإخوة: ترسيخ الولاء وساحة هشّة
أما الديناميكية الأكثر أهمية في ليبيا اليوم فهي تقدّم هندسة الخلافة بدلاً من المؤسسية. ففي الشرق، الثقل العسكري والسياسي لصدام حفتر، وموقع خالد حفتر في الأركان العامة، وإدارة بلقاسم حفتر لميزانية إعادة الإعمار عبر صندوق التنمية وإعادة الإعمار؛ وفي الغرب، دخول إبراهيم الدبيبة إلى مركز الملف بصفته مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء، هما طرفا النمط ذاته. ففي كلا المعسكرين، تتركز السلطة عبر العائلات وشبكات الولاء بدلاً من المؤسسات. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن أنقرة أقامت علاقات أيضاً مع الفاعلين المرجح أن يكون لهم تأثير في مستقبل السياسة الليبية.
إن عدم ثبات التوازنات السياسية والعسكرية في ليبيا أبداً، يجعل هذا الخيار عقلانياً من منظور السياسة الخارجية. وعودة واشنطن إلى الطاولة تعيد تشكيل الحسابات أيضاً. والقدرة الأساسية التي أنتجتها تجربة أنقرة التي تمتد لعشر سنوات، هي ليست التحالفات المبرمة مع فاعل معين بقدر ما هي مرونة إعادة معايرة الموقف كلما تغيّر الفاعلون. وفي المقابل، لا يمكن الحديث عن المرونة ذاتها عندما يتعلق الأمر بالمصالح التركية الأساسية. فإدراج قيادة مجموعة المهام الليبية التابعة للقوات المسلحة التركية في طرابلس في برنامج الزيارة، هو تذكير واعٍ بالردع الذي يقف خلف الدبلوماسية.
أما الهشاشة فتتركز في الغرب. فمصفاة الزاوية كانت لسنوات نقطة تقاطع لدعم الوقود والتهريب والتنافس بين الجماعات المسلحة.بصفته أحد الفاعلين المهمين في المنطقة، فإن تهميش محمد باهرون الذي كان يقف في السابق قريباً من خط دبيبة، يجعل الزاوية واحدة من مناطق التوتر الجديدة بين الحكومة والهياكل المسلحة المحلية. بغض النظر عن منفذ الهجوم، يظهر المشهد الحالي أن أحد الأبعاد المهمة للصراع في غرب ليبيا يدور حول تقاسم الريع والموارد. كما يمكن قراءة إدراج وزير الخارجية فيدان لضريح عمر المختار في برنامجه في بنغازي كرسالة رمزية تظهر أن انخراط تركيا في الشرق لا يقتصر على الفاعلين السياسيين والعسكريين الحاليين. فأنقرة، إلى جانب العلاقات العسكرية والسياسية في الشرق، تبني أرضية تستند أيضاً إلى الذاكرة التاريخية لليبيا.
حلقة القاهرة: خط مكة، والمناطق البحرية، ومعادلة تمتد إلى البحر الأحمر
أما الإطار الذي يجعل زيارة وزير الخارجية فيدان لليبيا ذات معنى حقيقي فهو إقليمي. فالاتفاق الدفاعي المشترك الذي وقعه الرئيس أردوغان وولي العهد محمد بن سلمان ورئيس الوزراء شهباز شريف في مكة في 7 أغسطس، أنشأ بنية أمن جماعي تعتبر الهجوم على أحد الأطراف هجوماً على جميع الأطراف، وترك الباب مفتوحاً لمشاركة دول إقليمية أخرى. هذه الخطوة التي تجمع الثقل العسكري التركي داخل الناتو، والقدرة المالية السعودية، والقدرة الأمنية الباكستانية في إطار واحد، جعلت التباين بين شبكات الشراكة المختلفة التي تتشكل بالفعل في المنطقة أكثر وضوحاً. إضافة الاهتمام الهندي المتزايد بالتعاون بين اليونان وقبرص اليونانية وإسرائيل، يظهر ظهور شراكات متداخلة توازن الثقل الإقليمي التركي بدلاً من كتلة معادية واحدة. يمكن أن يمتد مجال المنافسة لهذا الخط من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر وشرق أفريقيا.
عند هذه النقطة، تتحول مذكرة التفاهم التركية الليبية بشأن المناطق البحرية الموقعة في 2019، إلى عنصر رئيسي في توازن القوى في شرق المتوسط بالإضافة إلى طابعها القانوني. الاستدامة السياسية للمذكرة تعتمد على استمرارية الحكومة في طرابلس وكذلك على موقف بنغازي تجاه هذا النص. لذلك، تحافظ العلاقة مع عائلة حفتر على أهميتها أيضاً من حيث الحفاظ على المكاسب المتعلقة بالحقوق القانونية التركية والمناطق البحرية في شرق المتوسط. العلاقات التي تطورها أنقرة مع بنغازي تقدم فرصة مهمة لقبول مذكرة المناطق البحرية في شرق ليبيا أيضاً.
الحلقة المفقودة في هذه المعادلة كانت القاهرة. انتقال وزير الخارجية فيدان من ليبيا إلى مصر يكمل الحلقة المفقودة. العناوين التي ستتم مناقشتها تكشف خريطة الاستراتيجية في المنطقة. إلى جانب غزة وسوريا وليبيا والسودان وشرق المتوسط، يشكل تكامل شبكات الهيدروكربون والكهرباء، والصناعات الدفاعية، وحجم التداول التجاري المستهدف رفعه من 8 مليارات دولار إلى 15 مليار دولار، تفاصيل هذه الخريطة. إشارة وزير الخارجية فيدان إلى أن مصر قد تنضم إلى اتفاق مكة الدفاعي المشترك تنقل هذه الزيارة إلى ما هو أبعد من مجرد مشاورات فنية. قدرة تركيا ومصر على قول الجملة ذاتها في ليبيا قد تضعف أحد أهم عناصر معادلة الداعمين المتنافسين التي غذت الانقسام بين الشرق والغرب في ليبيا لفترة طويلة.
ليس من قبيل الصدفة أن يتم تناول ملف السودان على نفس الطاولة. مصر هي الدولة الرئيسية في الممر الذي يربط شرق المتوسط بالبحر الأحمر وشرق أفريقيا. السعي لتحقيق الاستقرار في ليبيا وتقييد الصراع في السودان هما طرفا نفس الخط الجيوسياسي. البنية الدفاعية الموقعة في مكة في 7 أغسطس، والاتصالات في طرابلس وبنغازي التي جرت بين 11 و12 أغسطس، واستقبال محمود عباس في أنقرة في 12 أغسطس، وزيارة القاهرة في 13 أغسطس، تظهر حراكاً دبلوماسياً مكثفاً في أسبوع واحد. قراءة هذا الجدول كتطورات مستقلة تماماً عن بعضها البعض ستكون قراءة ناقصة.
تتعامل السياسة الخارجية التركية اليوم بشكل متزايد مع حوض شرق المتوسط وشمال أفريقيا والبحر الأحمر كمنطقة أمنية مترابطة. تأكيد أنقرة على "ليبيا واحدة" في ليبيا هو في الواقع التعبير الدبلوماسي عن رؤيتها لمعادلة استراتيجية شاملة وليست مجزأة في شرق المتوسط. في هذه المعادلة، تعتبر ليبيا أرضية استراتيجية يكون فيها الحفاظ على المكاسب بشكل مستمر أمراً بالغ الأهمية وليس فقط تحقيقها.