البوبو".. جلاّبة إفريقيا التقليدية تخطف الأضواء في عيد الفطر

06.07.2016 13:33

داكار- باماكو- نيامي/ أليون ندياي- موسى بولي- باليما بوريما/ الأناضول



احتفالات مسلمي إفريقيا بعيد الفطر تشكّل، علاوة على بعدها الروحي والديني، مناسبة لإرتداء "البوبو" (الجلابة التقليدية) المتكوّنة من قطعتين أو ثلاثة.. فمن السنغال إلى النيجر مرورا بمالي، لا يفوّت المسلمون فرصة استعراض لباس يعبّر عن خصوصية إجتماعية وروحية يتشبّثون بالمحافظة عليها على مرّ العصور.



وبما أنّ التقاليد تفرض في الكثير من بلدان القارة السمراء على جميع الرجال ارتداء "البوبو" لأداء صلاة عيد الفطر، فإنّ حياكة هذه الجلابية، يعتبر من الأعمال التي تزدهر بشكل ملحوظ في الأسبوع الأخير من شهر رمضان الكريم.



و"البوبو" جلاّبة (جلابية أو دشداشة كما يطلق عليها في بعض البلدان) رجالية واسعة وناعمة الملمس، تتكوّن في الغالب من 3 قطع، وتحاك من قماش "البازان" الشهير أو القماش المشمّع، يرتديه الكثير من الأفارقة في الأعياد والمناسبات السارة نظرا لألوانه الزاهية أو الموحدة أحيانا.



وازدهر "البوبو"، أواخر القرن التاسع عشر، وتصميمه مستوحى من أقمشة "الباتيك" الشهيرة والتي تعتبر الجسر الأوسع لعبور الثقافة الأندونيسية إلى شعوب العالم.



و"الباتيك" هي كلمة مشتقة من اللغة الجاوية ومعناها التنقيط، وتطلق على الفن الذي يستخدم فيه الشمع والصباغ لتزيين الأقمشة وزخرفتها.



بعد ذلك، قام المستوطنون الهولنديون والأنجليز بطباعة بعض النقوش والتصاميم على تلك الأقمشة، لتصبح زاهية الألوان، قبل أن يقوم الأفارقة بجلبها معهم عقب انضمامهم إلى الجيش الهولندي. ومنذ ذلك الحين، لم يفارق القماش المشمّع القارة السمراء.



في السنغال، اكتظت ورشة الحاج فال، وهو خياط شهير بمدينة روفيسك الواقعة على بعد 25 كم جنوب شرقي العاصمة داكار، بزبائن تدفّقوا عليه بشكل متزامن يطلبون خياطة "البوبو" الخاص بهم. طلبات تأتي في أوقات متقاربة، ما يضطر الرجل للبقاء في محلّ عمله إلى وقت متأخر من الليل، لإرضاء زبائن يعيشون الوضع ذاته كل عام، ويقسمون بأغلظ الأيمان بأنهم سيتفادون العام المقبل هذا التهافت المتزامن، ومع ذلك، يكررون الأمر نفسه في كل مرة.



"لم يتبقّ أمامي سوى الإنتهاء من الجزء السفلي من محيط الرقبة قبل وضع الخيط الذهبي السميك"، يقول الحاج فال، ويداه تتفحّصان قطع القماش أمامه، قبل أن ترتفع إحداهما تشير لزبون بالعودة في وقت لاحق. ضغط كبير تشهده ورشته في هذه الفترة من كل عام، ما يجبره على الاستعانة بـ "مجموعتين من العاملين الذين يتناوبون على الخياطة على مدى 24 ساعة في اليوم، لتأمين طلبات الزبائن"، بحسب فال.



ورغم إقبال الكثير من السنغاليين بمختلف شرائحهم الاجتماعية على خياطة "البوبو" لارتدائه في العيد، إلا أنّ البعض منهم، ممن تعوزه الحاجة، يضطر إلى ارتداء جلابة العام الماضي، معرّضا نفسه لسيل من التهكّم الودّي من طرف أصدقائه، واصفين إياه بـ "الراسب"، فـ "البوبو" التقليدي يفرض نفسه في السنغال في العيد من كلّ عام، وليس ذلك فقط، وإنما هو الحاضر الأبرز في جميع الإحتفالات الدينية لسكان يقدّرون بنحو 13 مليون نسمة، 94 % منهم مسلمون.



ماغور لام، بائع قماش بالمدينة، أوضح أنّ "ارتداء البوبو التقليدي في الأعياد الدينية أمر لا مناص منه بالنسبة للسنغاليين، وهو عادة ما يحاك باستخدام قماش (الجتزنير)، وهو نوع من قماش (البازين) الشهير في إفريقيا".



ولفت، في حديث لـ"الأناضول"، أنّ "البوبو يتألّف من 3 قطع، وأنّ سعر المتر الواحد من نوع القماش المذكور يتراوح من 10 آلاف فرنك إفريقي (ما يعادل حوالي 16.9 دولار) إلى 50 ألف (84.9 دولار).



ماغور، قال أيضا إن خياطة "بوبو" من قطعتين يتطلّب ما لا يقلّ عن 5 أمتار من القماش.



"البوبو"، هذا اللباس التقليدي يحمل في طياته رموزا اجتماعية أضحت بمرور الزمن بمثابة وسيلة للتصنيف الإجتماعي، فالزعماء الدينيون والقادة التقليديون (سلطة لها كلمتها في أنحاء عديدة من غرب إفريقيا) يحبّذون الجلابة المتألفة من 3 قطع، دون إغفال غطاء الرأس من اللون والزركشة نفسها. أما الشباب فغالبا ما يكتفون بقطعتين فحسب.



حشود بشرية تدفّقت اليوم، مرتدية "البوبو" بألوان زاهية وموحّدة، أظهرت أنّ اللباس التقليدي الإفريقي لا يقلّ أناقة عن نظيره العصري، بحسب شهادات بعض السكان لـ"الأناضول".



الحماس ذاته امتدّ ليبلغ مداه باماكو عاصمة مالي، التي احتفلت أمس الثلاثاء بأول أيام عيد الفطر المبارك، حيث تدفقت الحشود من منازلها مرتدية "البوبو"، قبل أن تتوجه نحو المساجد ومنها إلى الفضاءات العامة وتبادل الزيارات العائلية. قبل ذلك بسويعات قليلة، وتحديدا في الليلة الأخيرة لشهر رمضان الكريم، ازدحمت ورشة "مبايي للخياطة" بعشرات الزبائن من النساء والرجال ممن جاؤوا لتقديم طلبياتهم إلى صاحب الورشة إبراهيما ديانكا، الشهير باسم "مبايي"، بخصوص الألوان التي اختروها لتستخدم في خياطة "البوبو" المخصص للاحتفالات بعيد الفطر.



نساء ورجال من كل الأعمار بدوا غير متذمّرين وهم يصطفون بغير انتظام بانتظار حلول دورهم.. بدا الأمر معتادا بالنسبة لجموع خبرت معنى الصبر من أجل الحصول على "بوبو" مثير للإعجاب يوم العيد.



"نعمل لمدة 24 ساعة في اليوم منذ أكثر من أسبوعين، لتأمين طلبيات زبائننا، بما أننا نتلقاها بشكل متزامن في هذه الفترة من كلّ عام"، يقول ديانكا وعيناه تتفحّصان سترة مصنوعة من قماش البازان.



أصوات بعض الزبائن تتعالي فجأة في الورشة، بينما يراقب البعض الآخر بصمت حركة العاملين، قبل أن ترتفع بعض الأيادي محذّرة، في إشارة يفهمها المحليون، من أن الوقت المتبقي قد لا يكفي لتأمين جميع الطلبيات.. "جزء من ملابسي لم يجهز بعد"، تقول آوا، وهي أم لـ 3 أطفال تنوي حصولهم على جلابة "البوبو" للتباهي بها يوم العيد أمام أقرانهم.



ومع انسياب الوقت، بدأ الملل يغزو الملامح، غير أن مبايي بدا واثقا من قدرته على كسر التوتر المرتسم على الوجوه.. "لم نقبل في الأسبوع الأخير أي طلبيات جديدة، واكتفينا بما تسلمناه في وقت سابق، حرصا منا على الإيفاء بها، باعتبار طاقتنا الإنتاجية".



وعلى غرار هذه الورشة، تكتظّ جميع الورشات في باماكو وفي جميع أرجاء البلاد، بحثا عن لباس جديد يليق بالمناسبة الدينية.



"البوبو" يشكّل أيضا عنوان الإحتفالات في العاصمة النيجرية نيامي، هناك، حيث يحرص السكان على خياطة جلابة جديدة قادرة على إثارة الإعجاب. إبراهيم أمادو، خياط في أحد أحياء المدينة، قال لـ"الأناضول"، إنّ "تصاميم البوبو أضحت متنوعة، حيث نخيط تلك المتكونة من بنطلون وسترة تبلغ حد الركبتين، وأخرى لا تزيد عن الحزام، كما أن جودة القماش يمكن أن تختلف بحسب القدرة الشرائية للزبون".



وفي الواقع، فإن ارتداء "البوبو" في النيجر لا يقتصر على فئة اجتماعية معينة، فالجميع هناك يقبلون على هذا اللباس التقليدي خصوصا في الأعياد الدينية، وعيد الفطر لهذا العام، شكل مناسبة لاستعراض آخر الابتكارات التي استقطبت السكان. أما عن سعر خياطة "البوبو"، فأشار إبراهيم، إلى أنه "يتراوح منى ألفين و500 فرنك إفريقي (ما يعادل حوالي 4.2 دولار) و25 ألف (42 دولار)".



الباس التقليدي، الذي يشكل خصوصية في بلد يبلغ فيه نسبة المسلمين 99 % من إجمالي سكاني مقدّر بنحو 18 مليون نسمة، بحسب الأرقام الرسمية، طلّة استثنائية لا يمكن أن تكتمل بأي حال من دون الطربوش الأحمر القاني، الذي يزيد من جمال وبهاء "البوبو".



..........................



أعدته للنشرة العربية: ليلى الثابتي -

In order to provide you with a better service, we position cookies on our site. Your personal data is collected and processed within the scope of KVKK and GDPR. For detailed information, you can review our Data Policy / Disclosure Text. By using our site, you agree to our use of cookies.', '