إنذار حدودي في أوروبا: هل ينهار النموذج الأمني للاتحاد الأوروبي؟

إنذار حدودي في أوروبا: هل ينهار النموذج الأمني للاتحاد الأوروبي؟

12.08.2026 12:40

حادثة العبور الجماعي في سبتة، الأراضي الإسبانية في أفريقيا، ليست مجرد حركة هجرة غير نظامية؛ بل كشفت حدود نموذج الاتحاد الأوروبي لأمن الحدود الخارجية والتوازنات المتغيرة في غرب المتوسط. الأزمة التي اكتسبت بُعدًا جيوسياسيًا مع البيان الدبلوماسي الإسرائيلي، تشير إلى مرحلة جديدة تتداخل فيها الأمن والدبلوماسية والتنافس على الخطاب الاستراتيجي في المنطقة.

أحداث العبور الجماعي في سبتة، المدينة ذات الحكم الذاتي الإسبانية في شمال أفريقيا، أعادت فتح النقاش حول البنية الأمنية الأوروبية. أصبحت الأزمة، الواقعة عند تقاطع إدارة الهجرة والتحالفات الإقليمية والصراعات الخطابية، المؤشر الأكثر واقعية للتحول في غرب البحر الأبيض المتوسط.

قام تونج دميرتاش، الباحث في السياسة الخارجية بمؤسسة سيتا (دراسات السياسة والاقتصاد والمجتمع) وعضو هيئة التدريس الدكتور في قسم العلاقات الدولية بجامعة مرسين، بتحليل أزمة "سبتة". مقال دميرتاش كالتالي:

أمن الحدود الأوروبية يفتح للنقاش

العبور الجماعي غير النظامي الذي شهدته مدينة سبتة الإسبانية ذات الحكم الذاتي في شمال أفريقيا في 30 يوليو 2026، أعاد إحياء النقاشات حول إدارة الهجرة وأمن الحدود في أوروبا. محاولة عشرات الآلاف عبور الحدود في غضون حوالي 24 ساعة ومقتل 57 شخصًا على الأقل، كانت لها نتائج مهمة ليس فقط من الناحية الإنسانية بل أيضًا من ناحية إدارة الحدود الخارجية لأوروبا.

نقاش "أمن الحدود" ينتقل إلى السياق الجيوسياسي

بعد الأزمة مباشرة، نقل تصريح الممثل الدائم لإسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون الذي وصف فيه سبتة ومليلية بأنهما "مستوطنات استعمارية في أفريقيا" نقاش أمن الحدود إلى سياق جيوسياسي أوسع. على الرغم من أن وزارة الخارجية الإسرائيلية أعلنت لاحقًا أن هذا التصريح لا يعكس سياسة الدولة الرسمية، إلا أن التطور كشف أن التنافس في غرب البحر الأبيض المتوسط لا يقتصر على مجالي الأمن والدبلوماسية فحسب، بل يستمر أيضًا على مستوى الخطاب الاستراتيجي.

لا يمكن اعتبار ما حدث في سبتة مجرد موجة هجرة غير نظامية جديدة بحد ذاتها. فقد كشفت الأزمة في الوقت نفسه عن حدود نموذج إدارة الحدود الخارجية الذي يطبقه الاتحاد الأوروبي لسنوات عديدة، والتوازنات الجيوسياسية المتغيرة في غرب البحر الأبيض المتوسط، والتنافس المتنامي على النفوذ في أفريقيا. لذلك، يجب تناول أزمة سبتة في إطار الديناميكيات الهيكلية التي تشكل البنية الأمنية الأوروبية، بدلاً من نسب فاعلية غير مثبتة إلى جهة معينة. تقوم هذه الدراسة بتقييم الأزمة من خلال خلفية حركة الهجرة، ونموذج إدارة الحدود الأوروبية، والسياق الجيوسياسي الذي يشكله الوجود الدبلوماسي والتكنولوجي الإسرائيلي المتوسع في أفريقيا.

أزمة سبتة: أكثر من مجرد هجرة

يمكن للوهلة الأولى اعتبار التطورات في سبتة موجة هجرة غير نظامية جديدة تواجهها أوروبا. ومع ذلك، فإن توقيت الأزمة وحجمها ونتائجها السياسية تجعل من الصعب تفسير الحدث فقط من خلال ديناميكيات الهجرة. توجه ما بين 50 إلى 60 ألف شخص نحو حدود سبتة في غضون حوالي 24 ساعة، ومقتل 57 شخصًا على الأقل، وتجاوز الحدود لقدرتها الطبيعية بكثير في فترة قصيرة، سُجل كأحد أبرز التطورات على الحدود الجنوبية لأوروبا.

من الجوانب اللافتة للأزمة أن جزءًا كبيرًا من الذين عبروا الحدود لم يكونوا من النموذج التقليدي للمهاجرين العابرين الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا من أفريقيا جنوب الصحراء، بل كانوا من الشباب القادمين من المناطق الشمالية للمغرب. كما أظهر عودة عشرات الآلاف إلى المغرب في فترة قصيرة بعد الأحداث أن هذه الحركة تختلف إلى حد ما عن ديناميكيات الهجرة غير النظامية التقليدية. هذا الوضع يجعل من الصعب تفسير الأزمة فقط لأسباب اقتصادية، ويستلزم تقييم الظروف الاجتماعية والاقتصادية والإدارية التي تتيح حركات الهجرة معًا.

هل كان هناك "عامل خارجي"؟

ومع ذلك، فإن المصادر المفتوحة الحالية لا تقدم أدلة ملموسة تؤكد أن الحركة الجماعية في سبتة خطط لها أي طرف خارجي أو نظمتها دولة معينة. لذلك، فإن المقاربات التي تحاول تفسير الأزمة من خلال جهة فاعلة واحدة، وكذلك التعليقات التي تعتبر ما حدث حركة هجرة عفوية تمامًا، تظل غير كافية تحليليًا. التقييم الأكثر دقة هو تناول أزمة سبتة عند نقطة التقاطع بين سياسات إدارة الهجرة الأوروبية، والديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية الإقليمية، والبيئة الأمنية المتغيرة في غرب البحر الأبيض المتوسط.

من هذا المنظور، تظهر أزمة سبتة أن المشكلة الأساسية التي تواجهها أوروبا ليست فقط الهجرة غير النظامية؛ بل تشير إلى ظهور بيئة أمنية جديدة تتشابك فيها أمن الحدود والاستقرار الإقليمي والتنافس الجيوسياسي بشكل متزايد.

نموذج أمن الحدود الخارجي الأوروبي

أعادت أزمة سبتة فتح النقاش حول نهج إدارة الحدود الخارجية الذي تبناه الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة. يهدف هذا النموذج إلى إيقاف الهجرة غير النظامية قبل وصولها إلى الحدود الأوروبية، ويدير في هذا الاتجاه تعاونًا شاملًا مع بلدان العبور والمصدر في مجالات أمن الحدود وإعادة القبول ومكافحة تهريب البشر وبناء القدرات. خاصة بعد أزمة الهجرة في عام 2015، أصبح هذا النهج أحد العناصر الأساسية لسياسة الهجرة الأوروبية.

في هذا الإطار، تعتبر المغرب أحد أهم الشركاء بالنسبة للاتحاد الأوروبي. تدير حكومة الرباط منذ سنوات عديدة تعاونًا وثيقًا مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي في مجالات أمن الحدود ومكافحة تهريب البشر ومنع الهجرة غير النظامية. وبالمثل، ساهمت الآليات الجديدة المطورة مع موريتانيا والسنغال في انخفاض كبير في العبور غير النظامي خاصة على الطريق الأطلسي. وفقًا لبيانات فرونتكس، انخفضت العبورات غير النظامية للحدود نحو الاتحاد الأوروبي في النصف الأول من عام 2026 بنسبة 37 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بينما تجاوز هذا الانخفاض 70 بالمئة على طريق غرب أفريقيا. يظهر هذا الجدول أن التعاون الذي طورته أوروبا مع دول ثالثة يمكن أن ينتج نتائج ملموسة.

ومع ذلك، فإن النموذج نفسه يزيد أيضًا من الاعتماد المتبادل. اعتماد أمن الحدود الخارجية الأوروبية بشكل كبير على التعاون المستمر مع دول ثالثة، أخرج إدارة الهجرة من كونها مجرد مسألة أمن حدود تقنية وجعلها جزءًا لا يتجزأ من السياسة الخارجية. وبالتالي، فإن أي خلل أو مشكلة تنسيق في إدارة الحدود يمكن أن تنتج بسرعة نتائج قد تؤثر على السياسة الداخلية لأوروبا وجدول أعمالها الأمني وعلاقاتها الدبلوماسية.

كما كشفت الأحداث في سبتة عن هذا الهشاشة الهيكلية. أظهرت الأزمة مرة أخرى أن أمن الحدود الجنوبية لأوروبا لا يعتمد فقط على الإجراءات الحدودية المادية بل أيضًا على تعاون مستدام وقابل للتنبؤ مع الدول المجاورة. يوضح هذا الوضع أنه بالنسبة للاتحاد الأوروبي، يجب تطوير نموذج إدارة الحدود الخارجية بدلاً من التخلي عنه، وذلك على أساس آليات مؤسسية أقوى وتنسيق للأزمات وثقة متبادلة. وإلا، ستظل أمن الحدود وإدارة الهجرة والدبلوماسية الإقليمية مجالات تؤثر بشكل مباشر على بعضها البعض.

تمدد إسرائيل في أفريقيا والتنافس على الخطاب

من بين التطورات اللافتة بعد أزمة سبتة، تصريح المندوب الدائم لإسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون الذي وصف فيه سبتة ومليلية بأنهما "مستوطنات استعمارية في أفريقيا". ورغم أن وزارة الخارجية الإسرائيلية أعلنت بعد فترة وجيزة أن هذا التصريح لا يعكس سياسة الدولة الرسمية، إلا أن هذا الخطاب جعل النزاعات الحدودية في غرب المتوسط جزءًا من الأجندة الدبلوماسية الدولية. وبهذا الاعتبار، يمكن تقييم التصريح كأحد أهم التدخلات الخطابية الأولى التي ظهرت خلال الأزمة.

يجب أيضًا قراءة هذا التطور في سياق الاستراتيجية الأوسع التي تتبعها إسرائيل في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة. فبالرغم من فقدان إسرائيل صفة المراقب في الاتحاد الأفريقي عام 2023، لم تضعف علاقاتها مع القارة. بل على العكس، استمرت في التعمق عبر العلاقات الثنائية في مجالات التكنولوجيا وصناعة الدفاع والزراعة والصحة والأمن السيبراني. ولا سيما مشاريع التنمية التي تنفذها عبر "ماشاف"، وبرامج تطوير القدرات الزراعية، والاستثمارات الصحية، تنقل حضور إسرائيل في أفريقيا إلى ما هو أبعد من التمثيل الدبلوماسي.

بالإضافة إلى ذلك، زادت بعض الأحداث التي ظهرت في الرأي العام خلال السنوات الأخيرة من النقاشات حول الدور الذي تلعبه شركات التكنولوجيا والأمن الخاصة الإسرائيلية في العمليات السياسية في أفريقيا. ففي إطار التحقيقات المتعلقة ببرنامج التجسس "بيغاسوس"، تبين أن هواتف بعض المسؤولين رفيعي المستوى، بما فيهم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، كانت مستهدفة، لكن لم يتم تحقيق يقين قانوني بشأن مرتكبي الحادث. وبالمثل، ظهرت شركات خاصة يُقال إن لها صلات إسرائيلية مثل "تيم خورخي" و"بلاك كور" على الساحة باتهامات بشن عمليات تأثير رقمية استهدفت العمليات الانتخابية في أفريقيا. تشير هذه الأمثلة إلى مجال أمني جديد أصبحت فيه الحدود بين سياسة الدولة وأنشطة القطاع الخاص موضع نقاش متزايد.

يُعد التعاون الدفاعي والأمني المتطور بين المغرب وإسرائيل في السنوات الأخيرة أحد العناصر المهمة لهذا التحول. فبعد تطبيع العلاقات في عام 2020 ضمن اتفاقيات إبراهيم، تم توقيع اتفاقيات مهمة بين البلدين في مجالات صناعة الدفاع وتبادل الاستخبارات والتحديث العسكري، حيث أُنشئت لجان عسكرية مشتركة وتم توريد أنظمة دفاعية متنوعة. تُقيَّم هذه التطورات كأحد العوامل الرئيسية التي تزيد من الحضور الاستراتيجي الإسرائيلي في شمال أفريقيا.

ومع ذلك، لا توجد أي أدلة من مصادر مفتوحة تسمح بربط مباشر بين حركة الهجرة الجماعية في سبتة والأنشطة الدبلوماسية أو التكنولوجية أو الأمنية الإسرائيلية في أفريقيا. لذلك، لا يمكن في ضوء البيانات المتاحة وصف أزمة سبتة بأنها عملية مخططة أو موجهة من قبل إسرائيل. لكن عندما تُقيَّم تصريح دانون مع الحضور الاستراتيجي الإسرائيلي المتوسع في أفريقيا والنقاشات المتعلقة بالتأثير الرقمي التي ظهرت في السنوات الأخيرة، يتبين أن الأزمات في غرب المتوسط يجب أن تُنظر إليها في إطار بيئة تنافس جيوسياسي وخطابي أوسع بشكل متزايد. وبالتالي، فإن المسألة مهمة ليس من منظور نقاش مباشر حول الفاعلية، بل من حيث تنوع الأدوات التي يستخدمها التنافس على القوى الإقليمية وإمكانية استخدام الأزمات بفعالية على مستوى الخطاب الدولي.

تغير التوازنات الجيوسياسية في غرب المتوسط

تعتبر أزمة سبتة واحدة من أبرز الأحداث الحدودية التي واجهتها أوروبا في السنوات الأخيرة، وهي أيضًا انعكاس للتوازنات الجيوسياسية المتغيرة في غرب المتوسط. تُظهر ما حدث أن الهجرة غير النظامية لم يعد يمكن التعامل معها فقط كمسألة إنسانية أو أمنية؛ بل يجب تقييمها جنبًا إلى جنب مع مجالات سياسات مختلفة مثل أمن الطاقة والدبلوماسية الإقليمية وإدارة الحدود والاتصال الاستراتيجي. وبهذا الاعتبار، أبرزت الأزمة في الوقت نفسه نقاط القوة والضعف في نموذج إدارة الحدود الخارجية الذي يطبقه الاتحاد الأوروبي منذ سنوات عديدة.

أظهرت حالة سبتة مرة أخرى أهمية التعاون في مجال الهجرة وأمن الحدود الذي طورته أوروبا مع الدول المجاورة. لقد قدمت الآليات التي أُنشئت مع دول مثل المغرب وموريتانيا والسنغال مساهمات ملموسة في تقليل الهجرة غير النظامية في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، هذا النموذج يزيد أيضًا من الاعتماد المتبادل بين الأطراف، مما يجعل العلاقة بين أمن الحدود والسياسة الخارجية أكثر وضوحًا. لذلك، فإن المسألة الأساسية بالنسبة لأوروبا هي الحفاظ على نموذج التعاون الحالي وتطويره نحو هيكل أكثر مؤسسية وقابلية للتنبؤ وأكثر مرونة في مواجهة الأزمات.

أما التدخل الخطابي الذي أظهرته إسرائيل بعد أزمة سبتة، فيشير إلى أبعاد جديدة للتنافس الجيوسياسي في غرب المتوسط. فعند تقييم تصريح داني دانون مع الشبكات الدبلوماسية والتكنولوجية والأمنية الإسرائيلية المتوسعة في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، يتبين أن الأزمات الإقليمية يمكن استخدامها بفعالية أيضًا على مستوى الخطاب الدولي. ومع ذلك، لا تقدم المصادر المفتوحة الحالية أي دليل يسمح بربط مباشر بين حركة الهجرة الجماعية في سبتة وإسرائيل. لذلك، من المهم جدًا من حيث الاتساق التحليلي أن تفصل التقييمات النقدية بين الحقائق القابلة للتحقق والافتراضات.

أما من منظور تركيا، فإن التطورات في غرب المتوسط تُظهر مرة أخرى أهمية التعاون متعدد الأطراف بدلاً من التنافس ذي المحصلة الصفرية. فبينما تواصل إسبانيا كونها حليفًا في الناتو وأحد الشركاء الاستراتيجيين المهمين في أوروبا؛ يُعد المغرب أيضًا من بين الشركاء البارزين لتركيا من حيث سياسة الانفتاح على أفريقيا وأمن المتوسط والعلاقات الاقتصادية. وبالمثل، بالنظر إلى دور الجزائر في مجال أمن الطاقة والعلاقات المتطورة مع دول غرب أفريقيا، تكتسب نهج تركيا المتوازن ومتعدد الأبعاد تجاه المنطقة أهمية.

في الختام، يجب تقييم أزمة سبتة من منظور فهم البنية الأمنية المتحولة في غرب المتوسط، وليس من نقاشات الفاعلية التي ستُجرى حول جهة محددة. فعندما يُنظر إلى نموذج إدارة الحدود الأوروبي، والتعاون المطور مع الشركاء الإقليميين، والتنافس الجيوسياسي المتزايد في أفريقيا، وصراعات الخطاب الاستراتيجي معًا، يجب قراءة ما حدث في سبتة كأحد المؤشرات المهمة للعصر الجديد الذي يتداخل فيه الأمن والدبلوماسية بشكل متزايد في السياسة الدولية.

In order to provide you with a better service, we position cookies on our site. Your personal data is collected and processed within the scope of KVKK and GDPR. For detailed information, you can review our Data Policy / Disclosure Text. By using our site, you agree to our use of cookies.', '