قوارب "أبي رقراق" بالرباط.. ركود الشتاء يترقب رواج الصيف

14.01.2018 09:28

الرباط/ محمد عبد الصمد/ الأناضول



على ضفتي نهر "أبي رقراق"، الفاصل بين العاصمة المغربية الرباط، ومدينة سلا المجاورة لها، تصطف عشرات القوارب الصغيرة في انتظار عابرين قد يأتون وقد لا يأتون خلال أيام الشتاء الباردة.



فأصحاب المراكب الذين اشتغلوا بِدَأَبٍ خلال فترة الصيف على نقل الركاب بين الضفتين، ليمتعوهم بجولات مسائية مطوّلة على النهر؛ الآن تتشابه عليهم أيام الشتاء ويعانون من حالة ركود طوال هذه الشهور.



نهر "أبي رقراق"، هو أشهر نهر مغربي ويبلغ طوله 240 كم، وينبع من الأطلس المتوسط من جبل "متورزكان" الواقع في إقليم الخميسات (غرب)، ويصب في المحيط الأطلسي، على مستوى مدينتي الرباط وسلا.



يجوب النهر 72 قاربًا خشبيًا، تعمل طيلة اليوم في نقل العابرين ما بين الضفتين، من أجل قضاء أغراضهم في الرباط أو سلا أو حتى لمجرد النزهة فوق النهر، كما توفر مصدر رزق لكثير من أرباب القوارب الذين يطلق عليهم "الفْلايكية" بالتعبير المغربي العامي نسبة إلى الأفلاك (المراكب).



عبور بدرهمين

و"البارودي"، هو أحد أرباب القوارب، ويعمل في هذه المهنة منذ عقود، حيث يجدف لنقل الركاب الذين تناقص عددهم، حسب قوله.



وأضاف في حديث للأناضول: "أنا هنا منذ 50 سنة، منذ أن كان العبور لا يكلف إلا ريالًا واحدًا (عملة مغربية قليلة جدا)؛ لكن كان معه الرزق وكل شيء كان بخير".



ونوّه إلى أنه منذ عام 2000 تزايد عدد أرباب المراكب؛ وهو أمر كبير على المنطقة الصغيرة.



وأشار البارودي بيديه نحو المراكب الراسية على الماء دون عمل، قائلًا: "النتيجة ها أنت تراها.. كل شيء معطل لأنه ليس هناك ما نفعله".



ويمثل فصل الشتاء، وأيام البرد مشكلة لأصحاب القوارب على نهر "أبي رقراق"، خلافًا للصيف، الذي تنتعش فيه الحركة.



يُقسم "الفلايكية" العمل بينهم على محطتين للعبور على النهر، وفي كل محطة يشتغل 36 قاربًا، كما يعمل "الفلايكي" 3 أيام ويرتاح يومًا واحدًا، ليبدأ العمل من جديد.



ولا تتعدى تسعيرة العبور بين الضفتين درهمين ونصف (ربع دولار)، لعبور عرض النهر، لكن الضريبة التي يؤديها صاحب القارب سنويًا تبلغ حوالي 1200 درهم مغربي (120 دولارًا).



ولفت البارودي إلى أنه "حتى هذه التسعيرة القليلة نجد من يرفض أن يدفعها، والكثيرون (من الركاب) لا يؤدونها، وقد يدفعون درهمًا واحدًا، لكن منهم أيضا من يزيد عن التسعيرة ويدفع خمسة دراهم (نصف دولار)".



متحسرًا على زمن مجد "الفلايكية"، حيث كانت الحرفة بخير، مضى قائلًا، إنه قبل سنة 2000 كان عدد القوارب لا يتجاوز 39 قاربًا، لكن بعد نهاية مشروع انطلق حينها لتهيئة الضفتين "أصبحنا 72 قاربًا فجأة، والكل أصبح فلايكي".



جولات سياحية

بالنسبة لمحمد، وهو "فلايكي" شاب يبدو في منتصف عقده الثالث، فقد احترف هذه الحرفة لأنه لا بديل له على حد قوله.



وأضاف للأناضول: "حصلت على شهادة الدراسات العامة (سنتين جامعيتين) في القانون العام، وجربت كثيرًا من المباريات دون جدوى لذلك توكلت على الله في هذا العمل".



وتابع: "أنا أقطن قرب البحر، ومنذ صغري كنت أساعد البحارة في العطل (الإجازات)، لذلك كان الحل هو العودة للبحر".



أمضى محمد على ظهر القارب حوالي 15 سنة، لكن القارب ليس في ملكيته وإنما يؤجره من مالكه.



وأشار بدوره، إلى أن الحركة في الصيف تكون على أحسن ما يرام، ويساعد في ذلك ملائمة الطقس الصيفي، والعطلة التي تُخرج الناس للنزهة والسياحة.



ومضى قائلًا: "أهم شيء عندنا هو الصيف أو العطل أو السبت والأحد، ما عدا ذلك فالحركة هنا محدودة جدًا"، لذلك يضطر البعض لمزاولة عمل آخر لتعويض الضرر الحاصل بسبب الشتاء والطقس البارد.



وأردف: "ليست لنا مداخيل (مصادر دخل) أخرى غير هذه الحرفة، أنا مثلًا أُبْحِر مع قوارب صيادي السمك كل مرة لمساعدتهم في عملية الصيد؛ وجني ربح مواز يعوض بعض خسارة الشتاء".



وتطرق محمد إلى المراحل السابقة بالقول: "السلاويون والرباطيون (سكان سلا والرباط) القدامى، كانوا يفضلون العبور على النهر، كان الوقت وقت راحة البال والناس غير مستعجلين، وكانوا يتنقلون لمسافات بالأرجل، أما الآن فعصر السرعة والكل يريد قضاء غرض سريع والعودة بسرعة عبر السيارة أو الترام".



واستدرك: "لكن الجولات السياحية الآن هي أحسن من السابق، خاصة مع مشروع تهيئة الضفتين، الذي جعل الفضاء أكثر أمانًا، وقبلة للزائرين".



ولا يعرف "الفلايكية" العدد المضبوط للعابرين، لأنه ليس هناك تذاكر للعبور؛ لكن محمد يقدر أن عدد العابرين خلال أيام الشتاء لا يتجاوز 200 عابر؛ فيما قد يفوق خلال الصيف 2000 عابر يوميًا.



غياب الحماية

أكثر ما يعانيه أرباب القوارب، حسب شهاداتهم، هو غياب الحماية فليس لهم أية تغطية صحية (تأمين صحي)، لذلك يعتبر كثير منهم أن الذي يضطرهم للبقاء في عمل كهذا هو غياب البديل.



بينما كان المؤذن ينادي لصلاة المغرب من مسجد "قصبة الأوداية التاريخية" المطل على وادي "أبي رقراق"، كان "كريم"، يربط حبال قاربه بعد أن نقل ثلاثة مسافرين فقط من ضفة سلا إلى الرباط.



وكريم واحد من الذين ورثوا الحرفة عن آبائهم، بعد أن بلغ والده سن 70 عامًا.



ربط حبال قاربه على الرصيف، لينتظر دوره بعد ثلاثة أو أربعة أفلاك راسية على الماء، وقال للأناضول: "دوري الآن سيصل بعد ساعتين أو ثلاث ساعات".



وأشار كريم إلى أنه ينزل إلى "أبي رقراق" منذ الثامنة صباحًا، ولا يعود إلا بعد السابعة مساء دون أن يخفي أن العائد يبقى قليلًا جدًا.



وأضاف: "لا نعوّض شح الشتاء إلا بالصيف، هناك فقط 3 شهور في العام هي التي تكون على ما يرام، وكل ما ندخره فيها ننفقه في فصل الشتاء ووقت البرد".



على الرغم من المتعة التي يجدها كثيرون من العبور على قارب خشبي فوق النهر؛ لكن أرباب المراكب الذين يقضون حياتهم على الماء؛ لا يعتبرون في الأمر أي مجد، خاصة مع الأرباح القليلة التي تعود لهم من حرفة ظاهرها المتعة وباطنها المعاناة.



أما ما يعزون به أنفسهم عن ركود رحلات الشتاء فهو الانتظار بصبر إلى حين قدوم رحلات الصيف. -

In order to provide you with a better service, we position cookies on our site. Your personal data is collected and processed within the scope of KVKK and GDPR. For detailed information, you can review our Data Policy / Disclosure Text. By using our site, you agree to our use of cookies.', '